الرئيس السوري أحمد الشرع و نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة زين للاتصالات بدر الخرافي

قد لا تكون صفقة منح مجموعة زين الكويتية رخصة تشغيل شبكة اتصالات جديدة في سوريا لمدة 25 عاماً، باستثمارات تقارب 747 مليون دولار، مجرد توسع في قطاع الاتصالات، بل ربما تمثل أول اختبار حقيقي لدخول الاستثمارات الخليجية الكبرى إلى الاقتصاد السوري بعد سنوات من الحرب والعزلة الاقتصادية.

وتعد الصفقة واحدة من أكبر الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة، لكنها تأتي أيضاً في سياق أوسع يشير إلى تصاعد اهتمام المستثمرين الخليجيين بالسوق السوري، وسط مؤشرات على بدء انتقال الاقتصاد السوري من مرحلة الاعتماد على المساعدات والاقتصاد غير الرسمي إلى مرحلة اختبار الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل.

يرى أستاذ الإدارة المالية في جامعة «باشاك شهير»، فراس شعبو، أن دخول مستثمر بحجم مجموعة زين يعكس «تحسناً تدريجياً في تقييم المخاطر الاستثمارية في سوريا»، موضحاً أن المستثمرين لا ينتظرون اختفاء المخاطر بالكامل، بل يقيمون العلاقة بين المخاطر والعائد المتوقع.

وقال شعبو إن دخول شركة إقليمية بهذا الحجم يعني أن البيئة الاستثمارية السورية أصبحت أكثر قابلية لإدارة المخاطر مقارنة بالسنوات الماضية، وإن كانت لا تزال بعيدة عن الوصول إلى مرحلة الاستقرار الكامل.

وأضاف أن سوريا لا تزال في مرحلة «اختبار السوق»، حيث تدخل الشركات بشكل تدريجي، مشيراً إلى أن أي تطورات إضافية، مثل إزالة سوريا من قوائم الدول الراعية للإرهاب، ستشكل دفعة كبيرة للاستثمارات الأجنبية. 

 

لماذا الاهتمام بقطاع الاتصالات؟ 

يشير شعبو إلى أن قطاع الاتصالات يعد من أكثر القطاعات جاذبية للاستثمار عالمياً بعد قطاع الموارد الطبيعية، نظراً إلى قدرته على تحقيق إيرادات مستقرة وسرعة استرداد رأس المال.

وأوضح أن خصوصية قطاع الاتصالات تكمن في أنه أقل ارتباطاً بالتقلبات التجارية الخارجية، ويتمتع بقاعدة طلب مستقرة، ما يجعله أحد أقل القطاعات الاستثمارية مخاطرة، خاصة في الأسواق التي تمر بمرحلة إعادة بناء اقتصادي.

كما أن تطوير قطاع الاتصالات لا يقتصر على الخدمات التقليدية، بل يمثل حجر الأساس للتحول الرقمي، والحكومة الإلكترونية، والخدمات المالية الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز البعد الاستثماري المباشر.

 

«زين» ليست الاستثمار الخليجي الأول

من جهته، يؤكد الرئيس التنفيذي لشركة (Effect Plus) المنظمة لمعرض إعمار سوريا ومعرض BIG 5 Construct Syria، باسل السيد، أن صفقة «زين» تمثل مؤشراً مهماً، لكنها ليست بداية الاهتمام الخليجي بالسوق السوري.

ويقول السيد إن حجم الاستثمارات الخليجية والطلبات الاستثمارية شهد تصاعداً ملحوظاً خلال الأشهر الماضية، حيث انتقل الاهتمام من المشاريع الصغيرة والمتوسطة إلى مشاريع كبيرة وضخمة، تشمل قطاعات العقارات والزراعة والسياحة والطاقة والبنية التحتية.

ويضيف أن المستثمرين الخليجيين، ولا سيما من السعودية والإمارات والكويت وقطر، يمثلون اليوم الشريحة الأكبر من المستثمرين المهتمين بالسوق السوري، مشيراً إلى أن غالبية مذكرات التفاهم والطلبات المقدمة إلى هيئة الاستثمار السورية تعود لشركات خليجية.

ويكشف أن شركات خليجية بدأت بالفعل تنفيذ مشاريع عقارية وسياحية واستثمارية بمئات ملايين الدولارات، معتبراً أن دخول «زين» يمثل مؤشراً إضافياً على بدء مرحلة جديدة من الاستثمارات الكبرى في سوريا.

 

المعارض تتحول إلى مؤشرات استثمار

يرى السيد أن المعارض الاقتصادية أصبحت تشكل «بوابة الاستثمار» الرئيسية في سوريا، نظراً لقدرتها على جمع المستثمرين وصناع القرار والقطاع الحكومي في مكان واحد.

ويشير إلى أن نتائج معرض إعمار سوريا تعكس هذا التوجه، إذ أظهرت استبيانات أجريت بعد دورة 2025 أن نحو 82% من الشركات المشاركة حققت فوائد استثمارية مباشرة أو دخلت في مفاوضات ومذكرات تفاهم ومشاريع جديدة، مضيفاً أن حجم المشاركة في دورة 2026 من معرض إعادة إعمار سوريا تجاوز بأكثر من الضعف حجم الدورة السابقة، وهو ما يعكس تزايد اهتمام الشركات الأجنبية والإقليمية بالسوق السورية.

 

ما القطاعات المرشحة للاستفادة؟

ويرى شعبو أن قطاع الاتصالات قد يكون مجرد بداية، إذ تمتلك سوريا فرصاً استثمارية كبيرة في قطاعات الطاقة والنفط والغاز والطاقة المتجددة، إضافة إلى البنية التحتية والنقل والموانئ والعقارات والقطاع المالي والخدمات المصرفية.

ويوضح أن تطوير القطاع المالي يمثل أحد أكبر التحديات والفرص في الوقت نفسه، في ظل الحاجة إلى تحديث أنظمة المدفوعات والخدمات المصرفية، وتعزيز الثقة بالمؤسسات المالية، بما يسمح باستقطاب الاستثمارات ودعم عملية إعادة الإعمار.

ويضيف أن دخول شركات دولية وخليجية كبرى لا يوفر التمويل فقط، بل يساهم أيضاً في نقل الخبرات الإدارية والتقنية، وتحسين جودة الخدمات والبنية التحتية، ورفع معدلات النمو الاقتصادي وفرص العمل.

 

ماذا تحتاج سوريا لجذب الاستثمارات؟

ورغم المؤشرات الإيجابية، يؤكد شعبو أن تحول سوريا إلى اقتصاد قائم على الاستثمار يحتاج إلى عملية إصلاح تدريجية تشمل تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، وإصلاح البيئة القانونية والمؤسساتية، وتحسين القطاع المالي والمصرفي، وضمان حماية الملكية الخاصة.

بدوره، يرى باسل السيد أن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في تحديث القوانين والتشريعات الاستثمارية، وضمان حقوق المستثمرين، وتسهيل تحويل الأرباح، إلى جانب إعادة دمج النظام المالي السوري بالاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن المؤسسات المالية الإقليمية والدولية بدأت بالفعل دراسة السوق السورية بشكل استكشافي، لكنها لا تزال تنتظر استكمال الإجراءات المالية والمصرفية، وفي مقدمتها إعادة تفعيل خدمات التحويلات الدولية بشكل كامل.

المصادر:

شبكة إرم

وزارة الاتصالات موقع اكس